يُعدّ المحرر من أهم وسائل الإثبات في المنازعات القضائية، إذ قد يترتب عليه إنشاء التزامات مالية أو قانونية جسيمة، وقد يكون العامل الحاسم في ترجيح كفة أحد الخصوم أمام المحكمة. ولهذا أولى نظام الإثبات السعودي عناية خاصة بتنظيم أحكام المحررات، وميّز بوضوح بين المحرر الرسمي والمحرر العادي من حيث التعريف والقوة الثبوتية والأثر النظامي.
فالمحرر الرسمي هو المحرر الذي يثبت فيه موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن، وذلك وفق الأوضاع النظامية وفي حدود سلطته واختصاصه. وقد قرر نظام الإثبات لهذه المحررات قوة خاصة، إذ نصت المادة السادسة والعشرون منه على أن المحرر الرسمي حجة على الكافة بما دون فيه من أمور قام بها محرره في حدود مهمته أو حدثت من ذوي الشأن في حضوره، ما لم يثبت تزويره بالطرق المقررة نظامًا. ويترتب على ذلك أن المحرر الرسمي يعد حجة قاطعة لا يُكلّف من يتمسك به بإثبات صحته، ولا يمكن الطعن فيه إلا بدعوى التزوير وفق الإجراءات النظامية المقررة.
أما المحرر العادي فهو ما يحرره الأطراف فيما بينهم ويشمل العقود والإقرارات وسائر المحررات التي لا تستوفي الشروط التي حددها النظام للمحرر الرسمي، فيُعد محررًا عاديًا من الناحية النظامية. وقد نظم نظام الإثبات حجيته بنص المادة التاسعة والعشرين التي قررت أن المحرر العادي حجة على من وقّعه، ما لم يُنكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة. فإذا ثبت التوقيع، التزم الموقّع بجميع ما ورد في المحرر، ولا يُقبل منه بعد ذلك الادعاء بعدم الفهم أو الاستعجال أو الجهل بمضمونه ومن احتج عليه بمحرر عادي وناقش موضوعه أمام المحكمة فلا يقبل من أن ينكر صحته بعد ذلك.
ويتضح من ذلك أن المحرر العادي، رغم بساطته الظاهرة، قد ينشئ التزامًا قانونيًا كاملًا متى ثبتت نسبته إلى من وقّعه، وقد تترتب على إنكاره إجراءات إثبات معقدة وتبعات قانونية تطيل أمد النزاع القضائي ومن هنا فإن الفرق الحقيقي بين المحرر الرسمي والمحرر العادي لا يظهر لحظة التوقيع، وإنما يتجلى بوضوح عند قيام النزاع وحضور الأطراف أمام المحكمة، حيث تتحدد القوة الثبوتية لكل محرر وأثره في إثبات الحقوق من عدمها.
كُتب بواسطة : المحامي محمد مبارك ال غميجان